صدى24
تحولت مدينة طنجة خلال العقدين الأخيرين إلى إحدى أبرز الوجهات الاستثمارية بالمغرب، بفضل الدينامية العمرانية التي شهدتها، وتطور بنياتها التحتية، والمشاريع الاقتصادية والصناعية الكبرى التي عززت مكانتها كقطب اقتصادي واستثماري. وقد ساهم هذا التحول في استقطاب آلاف المستثمرين والمواطنين، وفي مقدمتهم أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج الذين اختاروا توظيف مدخراتهم في اقتناء عقارات داخل المدينة.
غير أن هذا الزخم العمراني رافقته، في المقابل، زيادة ملحوظة في عدد المنازعات العقارية المرتبطة ببعض المشاريع السكنية، وهو ما جعل هذا الملف يحظى باهتمام متزايد لدى الرأي العام والمهنيين والفاعلين في القطاع.
ويتحدث عدد من المشترين عن مواجهتهم، بعد إتمام عمليات الاقتناء، لإشكالات تتعلق بتنفيذ بعض الالتزامات التعاقدية أو بمواصفات الإنجاز، أو بالأجزاء المشتركة، أو بالمرافق والخدمات المعلن عنها، وهو ما أدى في عدد من الحالات إلى لجوء الأطراف المعنية إلى المساطر الإدارية والقضائية التي قد تستغرق فترات طويلة قبل الوصول إلى حلول نهائية.
وتبقى الجالية المغربية المقيمة بالخارج من بين أكثر الفئات التي تعبر عن انشغالها بهذا الموضوع، بالنظر إلى ارتباط استثماراتها غالباً بمدخرات سنوات من العمل، وما يرافق أي نزاع من أعباء مالية وإجرائية قد تؤثر على شعورها بالأمن القانوني.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت إلى الواجهة عدة ملفات عقارية أثارت نقاشاً واسعاً، واختلفت طبيعتها القانونية من مشروع إلى آخر، سواء تعلق الأمر بتنفيذ الالتزامات، أو بتدبير الأجزاء المشتركة، أو بحدود الملكية، أو ببعض المرافق التابعة للمشاريع العقارية. ورغم اختلاف الوقائع من ملف إلى آخر، فإن تكرار مثل هذه النزاعات يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة آليات الوقاية والمراقبة القبلية الكفيلة بالحد من الخلافات قبل انتقالها إلى القضاء.
وفي المقابل، يرى عدد من المتابعين أن السلطات المختصة عززت خلال السنوات الأخيرة من إجراءات المراقبة وتتبع بعض الملفات المرتبطة بالتعمير والعقار، في إطار الحرص على احترام القانون وحماية الحقوق. غير أن عدداً من المتقاضين يعتبرون أن بطء المساطر، وتشعب الإجراءات، وطول أمد بعض الخبرات التقنية، عوامل قد تؤدي إلى استمرار النزاعات لسنوات، وهو ما ينعكس على ثقة المستثمرين والمتعاملين في القطاع.
كما يدعو عدد من الفاعلين والمهتمين بالشأن العقاري إلى مواصلة تعزيز آليات الحكامة والشفافية داخل مختلف مراحل معالجة الملفات، بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع الأطراف، ويكرس مبادئ الحياد والاستقلالية، ويعزز الثقة في المؤسسات المكلفة بتدبير هذا النوع من القضايا.
وفي السياق ذاته، تتواصل الدعوات إلى إيلاء عناية أكبر للشكايات المرتبطة ببعض المشاريع العقارية، مع الحرص على معالجة كل ملف وفق مقتضيات القانون، وترتيب المسؤوليات متى ثبت وجود أي تجاوز، بما يحفظ حقوق المتقاضين ويصون في الوقت نفسه سمعة المؤسسات الوطنية.
ويؤكد متابعون أن حماية الاستثمار العقاري لا ترتبط فقط بإنجاز المشاريع وتسويقها، وإنما كذلك بوجود منظومة قانونية فعالة تضمن احترام الالتزامات، وتسريع البت في المنازعات، وتعزيز جودة الخبرات التقنية، بما يوفر الأمن القانوني للمواطنين والمستثمرين، خاصة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
فطنجة، وهي تواصل ترسيخ مكانتها كوجهة اقتصادية واستثمارية، تبقى في حاجة إلى ترسيخ ثقافة الوقاية من النزاعات قبل وقوعها، وتسريع معالجتها عند نشوبها، حفاظاً على جاذبية المدينة وثقة المستثمرين.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تشييد المشاريع العمرانية، بل في ترسيخ الثقة في المنظومة العقارية، من خلال سيادة القانون، والشفافية، واحترام الحقوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز مناخ الاستثمار ويكرس الأمن القانوني الذي يشكل أساس أي تنمية مستدامة.






