Home حصاد الكوفية ليست مجرد صورة.. والرموز أكبر من لحظة عابرة

الكوفية ليست مجرد صورة.. والرموز أكبر من لحظة عابرة

59
0

صدى 24

قد تسقط قطعة من القماش في لحظة عابرة، وقد تمر الصورة أمام العين خلال ثوانٍ، لكن بعض الرموز لا تسقط بسهولة، لأنها لا تعيش في الأشياء وحدها، وإنما تستقر في ذاكرة الناس ووجدانهم.

الكوفية الفلسطينية واحدة من هذه الرموز. فقد تجاوزت منذ زمن حدود اللباس التقليدي لتصبح علامة مرتبطة بفلسطين، وبالأرض والذاكرة والصمود، وبقضية ظلت حاضرة في الوجدان العربي لعقود طويلة.

ولهذا فإن النقاش الذي يرافق أي مشهد يرتبط بالكوفية لا يتعلق بالضرورة بما حدث في تلك اللحظة، ولا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة لشخص أو فنان. السؤال الأهم أعمق من ذلك بكثير: ماذا بقي من قيمة الرموز في زمن أصبحت فيه الصورة أحياناً أهم من معناها؟

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الرموز الثقافية والوطنية حاضرة في الصور والمهرجانات والمناسبات العامة، وأصبح من السهل أن تتحول بعض عناصر الهوية إلى جزء من المشهد البصري. غير أن المشكلة تبدأ فقط عندما نفصل الرمز عن المعنى الذي يحمله.

فاللباس التقليدي ليس مجرد مظهر خارجي، كما أن العلم ليس مجرد لون وشكل، واللهجة ليست مجرد طريقة في الكلام، والاسم ليس مجرد حروف. خلف كل ذلك ذاكرة طويلة من الناس والأمكنة والتاريخ والتجارب.

والكوفية تحديدا تحمل في الوعي الفلسطيني والعربي حمولة رمزية لا يمكن اختزالها في الموضة أو الاستعراض. ولذلك فإن احترامها لا يعني تحويلها إلى أداة للمزايدة على الآخرين، كما أن ارتداءها لا يمنح صاحبه تلقائيا شهادة في الوطنية أو الالتزام بالقضية.

بين الأمرين مساحة واسعة اسمها الوعي.

المطلوب اليوم ليس أن نطارد الفنانين ونفتش في صورهم عن أخطاء، ولا أن نحول كل لقطة إلى معركة جديدة على مواقع التواصل. المطلوب أن نتعلم كيف نحترم الرموز من دون أن نحولها إلى أصنام، وكيف ندافع عن الذاكرة من دون أن نستخدمها لإدانة الأشخاص.

فلسطين أكبر من صورة، وأكبر من كوفية، وأكبر من مناسبة عابرة. هي قضية شعب وحقوق وذاكرة وتاريخ، ولذلك فإن قيمتها لا تتوقف على ظهور رمز من رموزها في صورة، ولا تسقط بسقوطه من يد أحد.

المشكلة الحقيقية ليست في سقوط الكوفية، وإنما في أن تتحول الرموز إلى أشياء نستخدمها وقت الحاجة ثم ننسى معناها بعد انتهاء المشهد.

وهنا يصبح السؤال جديرا بالتأمل: هل ما زلنا نحمل رموزنا لأننا نؤمن بما تمثله، أم لأن الكاميرا أصبحت تحبها؟

الهوية لا تحتاج إلى استعراض دائم، والرموز لا تحتاج إلى صراخ كي تحافظ على قيمتها. يكفي أن نفهم تاريخها ونحترم معناها ونترك للأجيال القادمة فرصة اكتشاف ما وراء الصورة.

فالكوفية قد تسقط من اليد، لكن فلسطين لا تسقط من الذاكرة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here