Home آراء و مواقف التدين مرآة الأخلاق أم بوابة للغرور؟

التدين مرآة الأخلاق أم بوابة للغرور؟

38
0

صدى 24 _ بقلم/ سيداتي بيدا

أخطر المتدينين من نصب نفسه قاضياً على الناس
ثمة مفارقة مؤلمة تستحق التوقف عندها: أن يتحول التدين، الذي يفترض أن يهذب الإنسان ويكسر غروره، إلى غطاء لغرور جديد؛ وأن يصبح بعض الناس أكثر قسوة كلما أكثروا من الحديث عن التقوى، وأكثر احتقاراً للآخرين كلما بالغوا في إظهار صلاحهم.
المشكلة ليست في التدين، ولا في المظهر الديني، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها التدين إلى استعلاء، ويصبح المظهر جواز مرور إلى محاكمة الناس وفرزهم إلى «صالحين» و«هالكين»، وكأن مفاتيح القلوب وضعت في جيوب بعض البشر.
هنا تبدأ الكارثة.
هناك من يتعامل مع تدينه باعتباره شهادة تفوق أخلاقي، فيرى نفسه أكثر نقاءً والتزاماً وقرباً من الله من الآخرين. فإذا اختلف معه أحد، لم يناقش فكرته، بل طعن في دينه وأخلاقه ونيته. وإذا أخطأ غيره، أقام عليه محكمة أخلاقية كاملة، بينما يبحث لنفسه عن ألف مبرر.
وهذا النوع من التدين أخطر مما يبدو، لأنه لا يكتفي بإخفاء العيوب، بل يمنح صاحبه شعوراً زائفاً بأنه محصّن ضد النقد والمراجعة.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض هؤلاء لا يدركون أنهم وقعوا في الفخ نفسه الذي يحذر منه الخطاب الديني: فخ الكِبر.
ففي القصة القرآنية، لم يكن سقوط إبليس بسبب جهل بالخالق، بل بسبب الاستعلاء ورفض الامتثال، حين رأى نفسه أفضل من غيره. وهنا تكمن دلالة أخلاقية عميقة: قد يعرف الإنسان الحق، ويتحدث عنه، ويدافع عنه، ثم يهزمه غروره عندما يتعلق الأمر بنفسه.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: كم مرة تتحدث عن الدين؟ ولا كم مظهراً دينياً تحمل؟ بل: ماذا فعل الدين بأخلاقك؟
هل جعلك أكثر تواضعاً؟ أكثر رحمة؟ أكثر إنصافاً لمن يخالفك؟ أكثر قدرة على الاعتراف بخطئك؟
أم جعلك سريعاً في اتهام الناس، قاسياً في الحكم عليهم، مقتنعاً بأنك وحدك تمتلك الحقيقة؟
الدين الذي يزيد صاحبه تواضعاً هو دين يسكن السلوك، أما الدين الذي يزيد صاحبه غروراً واحتقاراً للخلق، فقد يتحول إلى مجرد قناع اجتماعي.
ليس أخطر على الإنسان أن يجهل عيوبه فحسب، بل أن يظن أن تدينه يمنعه من امتلاكها.
فلا أحد يملك حق توزيع صكوك النجاة، ولا أحد يستطيع اختراق القلوب ليحكم على نيات أصحابها. الله وحده يعلم السرائر، أما البشر فعليهم أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن ينصبوا أنفسهم قضاة على الآخرين.
وفي ميزان الأخلاق، قد يكون أقرب الناس إلى الصواب هو ذلك الذي يعرف حجم جهله، ويخشى غروره، ويحفظ للآخرين كرامتهم.
أما من رأى نفسه فوق الجميع، فقد يبدأ سقوطه في اللحظة التي يصدق فيها أنه لا يمكن أن يسقط.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here