صدى 24
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحاً بلا سقف، ولا الشهرة الرقمية جواز مرور يتيح لصاحبها أن يقول ويفعل ما يشاء دون أن يتحمل تبعات ما ينشره. فحين تتحول الشهرة إلى استعراض، والمحتوى إلى إساءة، والمتابعة إلى وهم بالحصانة، يصبح الاصطدام بالقانون مسألة وقت لا أكثر.
وفي قضية سكينة كلامور، التي أُعلن فيها عن حكم بالسجن النافذ لمدة عشرة أشهر، وغرامة مالية قدرها 500 درهم، إلى جانب المنع من استعمال والظهور في وسائل التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، تبرز رسالة تتجاوز الشخص المعني إلى سؤال أوسع يتعلق بالمحتوى الرقمي وحدود المسؤولية فيه: لا أحد فوق القانون، مهما بلغ عدد المتابعين أو اتسعت دائرة التأثير.
المشكلة ليست في مواقع التواصل الاجتماعي ذاتها، بل في عقلية تتعامل معها باعتبارها ساحة بلا قواعد، وتختزل صناعة المحتوى في الإثارة والاستفزاز وجمع المشاهدات بأي ثمن. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ حين تصبح الإساءة وسيلة للانتشار، ويتحول الابتذال إلى سلعة، ويُقاس النجاح بعدد المشاهدات بدل قيمة ما يُقدم للمجتمع.
لقد آن الأوان للتوقف عن الخلط بين حرية التعبير وحرية التجاوز. فالحرية مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، والمنصات الرقمية ليست محاكم شعبية ولا مناطق معفاة من القانون، وما يُنشر فيها يمكن أن تكون له تبعات أخلاقية وقانونية.
والأخطر أن بعض صناع المحتوى صنعوا لأنفسهم جمهوراً يصفق لكل شيء، حتى أصبح التصفيق أحياناً أخطر من النقد؛ لأنه يمنح صاحبه شعوراً زائفاً بأن الشهرة توفر له حصانة أخلاقية أو قانونية.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى: الجمهور قد يصنع النجومية، لكنه لا يستطيع إسقاط المسؤولية.
والحكم، أياً كان تقييم تفاصيله القانونية، يعيد طرح سؤال بالغ الأهمية: إلى أين نريد أن نذهب بالمحتوى المغربي؟ هل نريد فضاءً رقمياً ينتصر فيه العقل والإبداع، أم سوقاً مفتوحة للضجيج والاستفزاز وتصفية الحسابات؟
المتابعون لا يمنحون سلطة فوق القانون، والمشاهدات لا تشتري البراءة، والشهرة لا تلغي المسؤولية.
قد تصنع التفاهة نجماً لبعض الوقت، لكنها لا تصنع قيمة. وحين يتحول تجاوز الحدود إلى وسيلة دائمة لصناعة الشهرة، فإن صاحبها قد يكتشف متأخراً أن المنصة التي صنعت انتشاره ليست جداراً يحميه من تبعات أفعاله.
لقد انتهى زمن الاعتقاد بأن الشاشة تحمي صاحبها. فما يُنشر مسؤولية، وما يُقال له ثمن، ومن يختار طريق الشهرة بلا ضوابط عليه أن يدرك أن طريق الانتشار قد يقوده أيضاً إلى المحاسبة.
التفاهة حبل قصير.. ومن يستهين بالمسؤولية قد يجد نفسه مشدوداً إلى نهايته.






