صدى 24_ كلشي باين/ ذ.هشام حدة
هناك من يعتقد أن أكثر الناس هدوءا هم أضعفهم، وأن الصمت إعلان استسلام، وأن الابتعاد هروب من المواجهة. لكن الحياة علمتنا أن أكثر العقول نضجا هي أقلها ضجيجا، وأن الذين يعرفون قيمة أنفسهم لا يضيعون أعمارهم في معارك لإقناع الآخرين بمن يكونون.
في زمن أصبحت فيه الأصوات المرتفعة تحسب قوة، والاستعراض بطولة، اختلطت المفاهيم حتى صار البعض يقيس الرجال بما يقولون، لا بما يفعلون. والحقيقة أن الشجرة المثمرة لا تحتاج إلى لافتة تعلن أنها مثمرة، كما أن البحر لا يرفع صوته ليُثبت أنه عميق.
ليس كل صمت خوفا، وليس كل ابتعاد هزيمة. أحيانا يكون الصمت موقفا، ويكون الابتعاد قرارا يحمي الكرامة من عبث الصغار. فالإنسان الذي يعرف قيمته لا يسمح لأحد أن يجره إلى معارك لا تضيف إليه شيئا سوى استنزاف الوقت والطاقة.
المنافسة الحقيقية ليست مع الناس، بل مع النفس. أن تكون اليوم أفضل من الأمس، وأن تحافظ على مبادئك مهما تغيرت الوجوه والظروف. أما الانشغال بما في أيدي الآخرين، فهو طريق لا ينتهي إلا بالحسد والتعب وضياع البوصلة.
ليس من الحكمة أن تربح كل المعارك، بل أن تختار المعارك التي تستحق أن تخاض. فكم من انتصار كان ثمنه راحة البال، وكم من انسحاب كان أعظم انتصار يحفظ الكرامة ويصون الاحترام.
لذلك، لا تستهين بالهادئين، ولا تختبر صبر العقلاء، فبعض الناس لا يرفعون أصواتهم لأنهم تعلموا أن القيمة لا تحتاج إلى إعلان، وأن الاحترام لا ينتزع بالصراخ، بل يبنى بالمواقف.
كلشي باين..!




