صدى24
بقلم: كاضم بوطيب
القدر المحتوم يقرر أن ينتزع منا جوهرة تواضع ورجولة و شموخ فكري وإنساني وأيقونة إبداع وساحر سينما وفكر فلسفي وإعلام بامتياز ….نور دين الصايل، المفتش السابق لمادة الفلسفة، عايش عن قرب الكيفية التي قام بها النظام المغربي بإفراغ هذا العلم الإنساني لصالح الفكر الإسلامي لوحده. وهي الهيمنة التي فتحت الباب جزئيا أمام أسلمة المجتمع.
المرحوم نور الدين الصايل، الذي أنجبته ذات البحرين وتفتخر بكونه واحدا من أبناءها البررة الذين لم يتنكروا لها، أعطى لمدينته و لبلاده الكثير دون ادعاء ولا بهرجة ، بخلفية رجل الفلسفة والتربية والتنوير الذي لا يخاف في قوله الحق لومة لائم أو لئيم .والمرحوم واحد من المدافعين على عودة المغرب لحضنه الأم الاتحاد الافريقي، ومن المدافعين كذلك عن استقرار مهرجان الفيلم الوطني بطنجة…
سبق وأن أجريت مع المرحوم حوارا صحفيا مطولا على صفحات جريدة طنجة الورقية العريقة، وتطرقنا في هذا الحوار لعدة مواضيع شخصية وفكرية وسينمائية وفلسفية… كان ذلك سنة 2006 على هامش المهرجان الوطني للفيلم في دورته الثالثة بطنجة …وأتذكر أنه عند خروج جريدة طنجة للأكشاك ، وهي الجريدة التي كانت تحتل المرتبة الأولى من حيث الإقبال وعدد المبيعات، ومما زادها اناقة وتوهجا في ذلك السبت العظيم صورة نور الدين الصايل على غلافها في الواجهة …اتصل بي المرحوم الصايل على الهاتف لألتحق به للتور في جناحه الخاص بفندق الريف ….أعطاني بعض الهدايا الرمزية “شعارات المهرجان ” وحوالي 20 دعوة كهدية منه لمجهودي الفكري في صياغة حوار من صفحتين وبلغة فلسفية عميقة تشبه إلى حد ما تصوره الايديولوجي المعاصر …كانت الدعوات كافية لدعوة كل أصدقائي الأعزاء لحضور فعاليات اختتام المهرجان الذي كانت تغص به جنبات قاعة سينما الروكسي بطنجة….لأن هذا الحدث السينمائي كان جديدا على المدينة ويتسبب في كثرة الإقبال والازدحام على مشاهدة الأفلام وحضور حفل الاختتام . ومن الصعب الحصول على دعوة تسمح بدخول قاعة سينما الروكسي… وكثيرا ما كان العديد من الممثلين والمخرجين والجمهور يحرمون من هذه المتعة السينمائية بسبب قلة الدعوات، كما قلت أولا وضيق قاعة السينما ثانيا… الدعوات التي أهداني الصايل أنذاك أسالت الكثير من الحبر والمداد بسبب الحقد والحسد والكراهية والميز العنصري …وقد كتبت أحد الجرائد الوطنية سامحها الله عن طريق مراسلها بالمدينة وبعنوان عريض في صفحتها الأولى “صحافي لاجئ على مدينة الجنان يحصل على عشرات الدعوات لمهرجان السينما ، في حين تعذر على ممثلين ومخرجين ونقاد حضور الحفل”….
رحمك الله صديقي ومعلمي وأخي الأكبر، وأسكنك فسيح جنانه وأحسن إليك بما قدمت وما أحسنت، وألهمنا الصبر في فداحة هذه الخسارة التي لا تعوض، وإلى الجنة ونلتقي السي نور الدين.






