صدى 24_ س ب
لم تعد الأقاليم الجنوبية للمملكة مجرد مجال جغرافي بعيد عن المراكز الاقتصادية التقليدية، بل باتت تحتل موقعاً متنامياً ضمن الرهانات التنموية للمغرب، في ظل مشاريع تستهدف تحديث البنية التحتية، وتطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز الأمن المائي، وتوسيع الأنشطة الصناعية واللوجستية. وتمنح هذه الدينامية المنطقة فرصاً جديدة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، لكنها تطرح في المقابل أسئلة أساسية بشأن قدرتها على تحويل المشاريع الكبرى إلى قيمة اقتصادية مضافة وفرص شغل مستدامة.
وتكشف طبيعة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالعيون والداخلة ومناطق أخرى من الجنوب عن تنوع متزايد في مجالات الاستثمار، يشمل الطاقة النظيفة، وتحلية مياه البحر، والصناعات الغذائية، ومواد البناء، والخدمات الهندسية، والاتصالات، وتثمين المنتجات البحرية. وهو تنوع ينسجم مع التوجه نحو بناء اقتصاد جهوي أكثر ارتباطاً بالبنيات التحتية الحديثة وبالأسواق الوطنية والدولية.
في قطاع الطاقة، تبرز أهمية الشراكات والخبرات الدولية في تطوير مشاريع الطاقة الريحية وتحلية مياه البحر، بالنظر إلى الترابط المتزايد بين توفير الموارد المائية وإنتاج الطاقة وتأمين الحاجيات الاقتصادية. كما تحضر أسماء دولية، من بينها المجموعة الفرنسية Engie، إلى جانب شركات متخصصة في تكنولوجيا الرياح، مثل Goldwind الصينية وSiemens Gamesa ذات الجذور الإسبانية والألمانية، ضمن المشهد الأوسع لصناعة الطاقات المتجددة.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية تتجاوز إنتاج الكهرباء أو توفير المياه، إذ يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير أنشطة صناعية وفلاحية جديدة، شريطة ضمان التكامل بين الاستثمارات الكبرى وحاجيات الاقتصاد المحلي، وعدم الاكتفاء بالبنيات الأساسية دون بناء سلاسل إنتاج قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين تنافسية المقاولات.
وفي مجال البنية التحتية والصناعة، يبرز حضور الخبرة الأجنبية في إنجاز التجهيزات والمنشآت ومواكبة المشاريع ذات الكلفة التقنية المرتفعة. كما ارتبط اسم شركة Thyssenkrupp Industrial Solutions الألمانية بمشروع صناعي للإسمنت بالعيون، في سياق يعكس أهمية نقل الخبرة والتكنولوجيا إلى القطاعات الإنتاجية.
غير أن تقييم هذه الاستثمارات يقتضي التمييز بين الشركات التي تمتلك المشاريع أو تمولها، وتلك التي تتولى الدراسات الهندسية أو توريد المعدات أو تنفيذ الأشغال. فهذا التمييز ضروري لفهم الحجم الحقيقي للرساميل الأجنبية، وتحديد طبيعة الالتزامات الاقتصادية، وتقدير الأثر الفعلي لكل مشروع على التنمية الجهوية.
أما القطاع الفلاحي، فيقدم بدوره مؤشرات على إمكانات توسيع الأنشطة الإنتاجية والتصديرية، خصوصاً من خلال مشاريع الزراعة العصرية والتوضيب والتسويق. وتبرز مجموعة Azura، ذات الامتداد الفرنسي المغربي، ضمن الفاعلين المرتبطين بالإنتاج الزراعي وسلاسل التصدير، بما يسلط الضوء على أهمية الربط بين الاستثمار الفلاحي والبنيات اللوجستية والأسواق الخارجية.
وفي المجال البحري، تتيح الثروة السمكية للأقاليم الجنوبية فرصاً مهمة لتطوير الصناعات التحويلية ورفع قيمة المنتجات الموجهة إلى الأسواق الدولية. وترتبط أسماء شركات إسبانية، من بينها Profand وUnión Martín، بأنشطة في سلاسل المنتجات البحرية، وهو قطاع يمكن أن يحقق مردودية اقتصادية أكبر إذا تجاوز تصدير المواد الأولية نحو التصنيع والتوضيب وتطوير المنتجات ذات القيمة المضافة.
وبموازاة هذه القطاعات، تساهم خدمات الاتصالات والمراقبة التقنية والهندسة في مواكبة التحولات الاقتصادية. كما تظل البنيات التحتية للنقل والربط الطرقي واللوجستي عاملاً حاسماً في تعزيز جاذبية المنطقة، بالنظر إلى دورها في خفض تكاليف الإنتاج والتوزيع، وتسهيل وصول المقاولات إلى الأسواق الوطنية والدولية.
لكن استقطاب الشركات الأجنبية لا يشكل، في حد ذاته، معياراً كافياً للحكم على نجاح النموذج التنموي. فالمعيار الأكثر أهمية يرتبط بما تتركه الاستثمارات من أثر ملموس في حياة السكان، سواء من خلال إحداث مناصب شغل مستقرة، أو تكوين الكفاءات المحلية، أو نقل التكنولوجيا، أو تمكين المقاولات المغربية من الاندماج في سلاسل التوريد والإنتاج.
ويظل هذا الجانب حاسماً بالنسبة إلى الأقاليم الجنوبية، حيث تكتسب التنمية معناها الحقيقي من قدرتها على توسيع قاعدة المستفيدين من النمو الاقتصادي، وتحويل المشاريع الكبرى إلى فرص مهنية ومبادرات إنتاجية، خصوصاً لفائدة الشباب، مع تشجيع المقاولات المحلية على الانتقال من الأنشطة المحدودة إلى مشاريع أكثر قدرة على المنافسة والاستمرار.
كما أن الشفافية في عرض المعطيات المتعلقة بالاستثمارات، وتحديد طبيعة الشراكات ونسب الملكية، ونشر المؤشرات المرتبطة بالتشغيل والأثر البيئي، تشكل عناصر أساسية لتقييم الحصيلة بصورة موضوعية. فتوفر المعلومات الدقيقة لا يعزز الثقة لدى المستثمرين فحسب، بل يساعد أيضاً على قياس مدى انسجام المشاريع المنجزة مع الأهداف التنموية المعلنة.
وتتجه الأنظار اليوم إلى قدرة الأقاليم الجنوبية على بناء نموذج اقتصادي يجمع بين جاذبية الاستثمار الأجنبي وتطوير القدرات المحلية. فالتحدي لا يكمن فقط في استقطاب الشركات ورؤوس الأموال، وإنما في إرساء منظومة إنتاجية متكاملة، تستثمر المؤهلات الطبيعية والجغرافية للمنطقة، وتدعم التصنيع والتصدير، وتوفر فرص العمل، وتضمن توزيعاً أوسع لمنافع التنمية.
وبين المشاريع الكبرى وانتظارات السكان، ستظل الحصيلة الاقتصادية رهينة بما يتحقق على أرض الواقع من إنتاج وثروة وفرص شغل. فنجاح الاستثمار لا يقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل المنطقة، بل أيضاً بما يتركه من أثر مستدام في اقتصادها ومجتمعها وقدرتهما على مواصلة النمو.






