صدى 24
مع اقتراب شهر رمضان، تتجدد مبادرات الدعم الاجتماعي التي تستهدف الأسر الهشة، وفي مقدمتها “قفة رمضان” أو “قفة الخير”، باعتبارها آلية تضامنية لتوفير المواد الغذائية الأساسية بأثمنة مناسبة. غير أن هذا الوجه الإنساني للمبادرة يوازيه نقاش اقتصادي متصاعد حول انعكاساتها على السوق المحلي، خاصة على بقالة الحي والتجار الصغار.
فعلى مستوى المبدأ، تمثل قفة رمضان متنفسًا حقيقيًا لعدد من الأسر التي تواجه ضغط الغلاء وتزايد كلفة المعيشة. إذ توفر مواد أساسية بكميات مدروسة وأسعار تنافسية، ما يجعل الإقبال عليها واسعًا. لكن خلف هذا الزخم التضامني، تستفيد المتاجر الكبرى والهولدينغات التجارية من حجم الطلب المرتفع، مستندة إلى قدرتها اللوجستية الكبيرة، وشبكات التوزيع الواسعة، وقوة التفاوض مع الممونين.
في المقابل، يجد التاجر الصغير نفسه في وضعية صعبة. فبقالة الحي، التي تشكل العمود الفقري للتجارة القريبة في الأحياء الشعبية والقرى، لا تتوفر على نفس القدرة التخزينية أو هامش الربح الذي يسمح لها بمجاراة العروض الكبرى. ومع تحول جزء مهم من الزبناء نحو المتاجر الكبرى خلال هذه الفترة، تتراجع مداخيل صغار التجار في وقت يُفترض أن يكون موسماً للانتعاش.


الإشكال إذن لا يرتبط بجوهر العمل الخيري، بل بكيفية تدبيره وتوزيع أثره الاقتصادي. فحين تتحول مبادرات الدعم إلى رافعة لإنعاش فاعلين كبار دون إشراك النسيج التجاري الصغير، فإن التوازن داخل السوق يختل، وتزداد هشاشة فئة لطالما لعبت دورًا اجتماعيًا واقتصاديًا محوريًا، خصوصًا في الأحياء الهامشية.
المطلوب اليوم ليس إلغاء قفة رمضان، بل إعادة هندسة آليات تنفيذها. إشراك بقالة الحي في سلاسل التوزيع، أو تخصيص جزء من الطلبيات للتجار الصغار، من شأنه أن يحقق عدالة اقتصادية نسبية، ويضمن استفادة مزدوجة: دعم الأسر المحتاجة من جهة، وحماية الدورة الاقتصادية المحلية من جهة أخرى.
رمضان شهر التضامن، لكنه أيضًا موسم اقتصادي حساس. والتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن ذكي بين الواجب الاجتماعي وحماية النسيج التجاري الوطني، حتى لا تتحول نية الخير إلى عامل ضغط جديد على الفئات الصغرى في السوق.






