صدى24 _ كلشي باين / ذ. هشام حدة
جريمة إيموزار الأخيرة، التي راح ضحيتها شرطي شهيد الواجب على يد مختل عقلي مشرّد، ليست حادثا عرضيا كما يريد البعض أن يبرره أو يمرره في خانة “القضاء والقدر”. إنها ناقوس خطر يُدقّ بقوة في وجه دولة بأكملها اختارت حكومتنا الصمت، أو ربما التواطؤ بالصمت، أمام انفجار ظاهرة المختلين العقليين والمشردين الذين يملؤون شوارع مدننا كقنابل موقوتة.
منذ سنوات والفضاء العام المغربي يتحول إلى مستشفى مفتوح، بلا أطباء، بلا مراقبة، بلا مسؤولية. آلاف “الحمقى” يتجولون بيننا، يحملون في جيوبهم جروحهم النفسية، وفي أياديهم حجارة أو سكاكين، وفي عيونهم نظرات تيه تهدد حياة كل مواطن. الظاهرة لم تعد مجرد مشهداً “مؤلماً” أو “مخجلاً” لسياح يلتقطون الصور في مراكش أو الدار البيضاء أو طنجة، بل تحولت إلى خطر مباشر على أرواحنا.
الأسوأ أن المؤسسات المعنية، من مستشفيات الأمراض النفسية والعقلية إلى المصالح المركزية في الرباط، تمارس لعبة “اليد المغسولة”: الشرطة تسلم المختل بتقرير رسمي، والمستشفى يخلّي سبيله بعد أيام قليلة، ليعود إلى نفس الزقاق، نفس المدار الطرقي، بنفس الاندفاع واللاوعي… حتى تقع الكارثة.
من المسؤول إذن؟ هل هي وزارة الصحة التي تتعامل مع الملف كأنه عبء ثانوي؟ أم وزارة الداخلية التي لم تبادر إلى خطة طوارئ لحماية الشوارع من المختلين المشردين؟ أم نحن جميعاً الذين ألفنا مشهد المختل ينام على الرصيف أو يطارد المارة، وكأن الأمر طبيعي؟
لقد آن الأوان لقولها بوضوح: استمرار هذا الوضع ليس فقط استخفافاً بسلامة المواطنين، بل هو وصمة عار في جبين دولة تدّعي “الأمن والاستقرار”. إذا كان الشرطي شهيد إيموزار قد دفع حياته ثمناً، فكم من مواطن بسيط، لا كاميرات توثق نهايته، فقد حياته أو كرامته في صمت؟
الظاهرة تتطلب خطة وطنية عاجلة:
تشخيص إجباري للمختلين والمتشردين في الشوارع.
تفعيل مؤسسات إيواء حقيقية، لا “مستودعات بشرية” تُفرغ بعد أيام.
ربط الملف بالمسؤولية الجنائية والإدارية لكل جهة تتملص من القيام بدورها.
إن ترك المختلين العقليين يسيطرون على فضائنا العام ليس “حرية شخصية” ولا “قضاءً وقدراً”. إنه تخاذل رسمي. والتخاذل الرسمي يولّد الفوضى. والفوضى، كما رأينا، تحصد الأرواح.





