Home إفتتاحية المغرب وإسبانيا.. الجغرافيا تجمعهما والتاريخ يختبرهما

المغرب وإسبانيا.. الجغرافيا تجمعهما والتاريخ يختبرهما

29
0


صدى 24 _كلشي باين/ ذ،هشام حدة
ليس كل ما يصدر عن البرلمان الإسباني موجها ضد المغرب، كما أن كل تقارب يصدر عن الحكومة الإسبانية لا يعني بالضرورة أن مدريد أغلقت نهائيا ملفات الماضي. وبين هذين الحدين، تتحرك العلاقات المغربية الإسبانية في مساحة دقيقة تحكمها المصالح المشتركة من جهة، وتثقلها ذاكرة التاريخ من جهة أخرى.
ولعل مشروع القانون المتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين ولدوا في فترة الإدارة الإسبانية للصحراء، والذي حظي بتأييد داخل لجنة العدل بمجلس النواب الإسباني، يمثل واحدة من أكثر القضايا حساسية في هذا السياق. فالمسألة، من الناحية القانونية، ترتبط بأشخاص عاشوا في ظل إدارة إسبانية سابقة وبروابط قانونية وتاريخية تراها الجهات الداعمة للمشروع جديرة بالمعالجة التشريعية. لكنها، من الناحية السياسية، لا يمكن فصلها عن تاريخ إسبانيا في الصحراء وعن استمرار النزاع حول مستقبل المنطقة.
وهنا تحديدا ينبغي الحذر من القراءات السريعة.
فمن الخطأ اعتبار مشروع الجنسية اعترافا إسبانيا بموقف سياسي معين من قضية الصحراء، كما سيكون من الخطأ في المقابل التعامل معه باعتباره مجرد إجراء إداري لا يحمل أي دلالة سياسية. القضايا المرتبطة بالتاريخ الاستعماري، خصوصا عندما تمر من المؤسسة التشريعية، تحمل بطبيعتها أبعادا تتجاوز النص القانوني إلى الذاكرة والهوية والسياسة.
الأهم أن ما جرى داخل البرلمان الإسباني يكشف مرة أخرى أن الموقف الإسباني ليس كتلة واحدة. فالحكومة الإسبانية تدرك حجم وأهمية علاقتها بالمغرب، بينما توجد داخل البرلمان أحزاب وتيارات لها مقاربات مختلفة لقضية الصحراء وللإرث التاريخي الإسباني في المنطقة. وهذه الحقيقة يجب أن تقرأ بهدوء، بعيدا عن لغة التخوين أو الاحتفال المبالغ فيه.
لقد قطعت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة مسافة مهمة من التوتر إلى التعاون، وأصبحت المصالح الأمنية والاقتصادية والتجارية والهجرة والطاقة، فضلا عن موقع البلدين في محيطهما المتوسطي والإفريقي، تجعل من الصعب على أي طرف التعامل مع الآخر بمنطق القطيعة.
لكن العلاقات الدولية لا تبنى على العاطفة.
فالمغرب وإسبانيا لا تربطهما علاقة خالية من الملفات الحساسة، بل تجمعهما شراكة استراتيجية تحكمها المصالح المتبادلة، وتظل بعض قضاياها مفتوحة على النقاش السياسي. وهذا أمر طبيعي بين دولتين جارتين يفصل بينهما مضيق، وتجمعهما مصالح ضخمة، ويختلفان أحيانا في قراءة بعض الملفات التاريخية والسياسية.
ومن هنا، فإن قوة العلاقة المغربية الإسبانية لا تقاس بغياب الخلاف، وإنما بقدرة البلدين على إدارة الخلاف دون السماح له بتحويل الشراكة إلى خصومة.
أما قضية الجنسية، فينبغي أن تترك لمسارها التشريعي والقانوني داخل المؤسسات الإسبانية، من دون تحميلها منذ الآن أكثر مما تحتمل. وفي الوقت نفسه، من حق المغرب أن يقرأ كل تطور يتعلق بالصحراء بعين يقظة، لأن القضية ليست تفصيلا في السياسة المغربية، بل قضية وطنية ذات مكانة خاصة.
المطلوب، في المقابل، هو ألا تتحول اليقظة إلى توتر، وألا يتحول الاختلاف في البرلمان الإسباني إلى أزمة دبلوماسية جديدة.
فالمغرب اليوم ليس في حاجة إلى خصومة مع إسبانيا، وإسبانيا ليست في حاجة إلى خصومة مع المغرب. كلاهما يعرف أن الجغرافيا أقوى من الخطابات، وأن المصالح المشتركة أكبر من المناورات الظرفية.
وإذا كان التاريخ يفرض نفسه أحيانا على الحاضر، فإن السياسة الرشيدة هي التي تمنع التاريخ من أن يتحول إلى رهينة للماضي.
المغرب وإسبانيا جاران، لكنهما قبل كل شيء شريكان. والشراكة الحقيقية لا تعني التطابق في المواقف، وإنما تعني القدرة على الاختلاف باحترام، والتفاوض بعقلانية، وحماية المصالح المشتركة دون التنازل عن الثوابت.
وفي ملف الصحراء تحديدا، ستظل مدريد مطالبة بالتوفيق بين إرثها التاريخي وحساباتها السياسية الحالية، بينما يظل الرباط مطالبا بقراءة التحولات داخل إسبانيا كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.
لأن الدبلوماسية لا تدار بالشعارات، والعلاقات بين الدول لا تقاس بمن يحب من، وإنما بمن يحتاج إلى من، وكيف يدير كل طرف حاجته إلى الآخر.
تلك هي الحقيقة الهادئة خلف صخب السياسة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here