صدى 24_ س ب
تحولت واقعة رفع علم قوس قزح خلال حفل فني احتضنه فضاء القلب المقدس بالدار البيضاء إلى موضوع نقاش واسع، بعدما أثارت ردود فعل متباينة بين عدد من الحاضرين ومتابعي الواقعة، وفتحت الباب أمام تساؤلات تتعلق بمسؤولية الجهات المشرفة على تدبير المرافق الثقافية العمومية، وحدود الاختيارات التنظيمية داخل الفضاءات المفتوحة للجمهور.
وتعود تفاصيل القضية إلى حفل موسيقي تكريمي لأغاني الفرقة البريطانية كولدبلاي، حيث ظهر العلم المرتبط بحركة الدفاع عن حقوق المثليين فوق المنصة، في مشهد أثار استياء بعض الحاضرين، فيما اختار آخرون مغادرة المكان، وفق ما أوردته تقارير إعلامية.
ولم يتوقف الجدل عند حدود الرمز الذي ظهر خلال الحفل، بل امتد إلى طبيعة المسؤوليات التنظيمية والإدارية المرتبطة بالواقعة. فالسؤال المطروح لا يتعلق فقط بالجهة التي رفعت العلم، وإنما أيضاً بمدى علم المنظمين بالاختيارات البصرية والرمزية المصاحبة للتظاهرة، وطبيعة الضوابط المعتمدة في استغلال المرافق الثقافية العمومية.
وتجد جماعة الدار البيضاء والجهات المشرفة على تدبير هذا الفضاء نفسها أمام ضرورة تقديم توضيحات للرأي العام، خاصة في ظل ارتباط القضية بشركة التنمية المحلية كازا إيفنت، التي تضطلع بأدوار في تدبير وتنشيط عدد من المرافق والتظاهرات بالعاصمة الاقتصادية.
وفي تطور يعكس انتقال القضية من النقاش الافتراضي إلى المسار المؤسساتي، أعلن مركز حماية الحقوق الاجتماعية والاستراتيجيات الإنمائية تقديم شكاية إلى رئاسة النيابة العامة، مطالباً بفتح بحث بشأن ظروف الواقعة وتحديد المسؤوليات المحتملة، وفق ما تم تداوله إعلامياً.
كما برزت مطالب متداولة تدعو إلى تدخل الملك محمد السادس، في سياق نقاش أوسع حول المرجعية الدينية والهوية الوطنية والاختيارات المرتبطة بالفضاء العام، وهو ما يعكس حجم الحساسية التي اكتسبها الموضوع داخل جزء من الرأي العام.
غير أن معالجة هذه القضية تقتضي التمييز بين حرية التعبير والاختيارات الفنية من جهة، ومسؤولية المؤسسات المكلفة بتدبير المرافق العمومية من جهة أخرى. فالاختلاف في المواقف لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإساءة أو التحريض أو المساس بكرامة أي شخص، كما أن احترام الحريات لا يعفي الجهات المنظمة من واجب الوضوح والشفافية في تدبير أنشطتها.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى توضيح ملابسات ما حدث، والكشف عن طبيعة الترتيبات التنظيمية التي سبقت الحفل، ومدى علم الجهات المشرفة بالتفاصيل المرتبطة به، تفادياً لاستمرار التأويلات وتضارب الروايات.
فالدار البيضاء، باعتبارها أكبر الحواضر الاقتصادية والثقافية بالمملكة، تحتاج إلى تدبير مؤسساتي مسؤول لفضاءاتها العمومية، تدبير يوازن بين حرية الإبداع واحترام القانون، ويضمن حق المواطنين في معرفة طبيعة الأنشطة التي تحتضنها المرافق الخاضعة للتدبير العمومي.
القضية اليوم لم تعد مجرد صورة التقطت خلال حفل موسيقي، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة المؤسسات المعنية على التواصل مع المواطنين وتوضيح قراراتها وتحمل مسؤولياتها. فالصمت المؤسساتي يترك المجال مفتوحاً للتأويل، بينما تظل الشفافية أفضل وسيلة لاحتواء الجدل واستعادة الثقة.






