صدى 24
لم تعد الهجمات الإلكترونية تقتصر على اختراق الحسابات وسرقة المعلومات أو تعطيل المواقع والمؤسسات، بل بدأت تقترب من منشآت ترتبط مباشرة بحياة الإنسان وسلامته. ففي تطور أمني بالغ الخطورة، تعرضت أنظمة مراقبة والتحكم في تجهيزات التبريد بثلاثة مواقع تابعة للمؤسسة الفرنسية للدم لهجوم سيبراني، بعدما حاول مجهولون التلاعب بدرجات الحرارة وإعدادات إزالة الجليد داخل غرف مخصصة لتخزين منتجات دموية حيوية.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى ليلة الأحد والاثنين، 2 و3 نونبر الجاري، عندما طال الاختراق أنظمة مرتبطة بمعدات التبريد التي توفرها إحدى الشركات المتخصصة، ما أدى إلى تغيير إعدادات درجات الحرارة والتذويب إلى مستويات مرتفعة للغاية، في محاولة كان من الممكن أن تتسبب في إتلاف مخزون طبي حساس لو لم يتم اكتشاف الاختلال في الوقت المناسب.
ولم تكن خطورة الهجوم مرتبطة بمجرد تعطيل أجهزة التبريد، بل بطبيعة المواد التي تحتضنها هذه المنشآت، إذ يتعلق الأمر بأكياس البلازما المخصصة لعمليات نقل الدم، إلى جانب منتجات بيولوجية تدخل في تصنيع الأدوية، وهي مواد تتطلب شروطاً دقيقة وصارمة للحفظ والتخزين.
وأمام هذا التهديد، مكنت أنظمة المراقبة والإنذار من رصد التغييرات غير الطبيعية بسرعة، الأمر الذي أتاح للفرق التقنية والعاملين التدخل الفوري، وتأمين المنتجات ونقلها إلى تجهيزات تخزين أخرى غير متأثرة بالاختراق.
وأكدت المؤسسة الفرنسية للدم أن الحادث لم يتسبب في أي خسائر بالمنتجات الدموية أو العينات البيولوجية، كما لم يتم تسجيل أي تأثير صحي، مشيرة إلى استمرار عمليات جمع الدم وتوزيعه دون انقطاع.
وتزامن هذا الهجوم مع عمليات إلكترونية أخرى استهدفت أنظمة التبريد والتجميد داخل متاجر كبرى بعدد من الدول الأوروبية، ما أدى إلى إتلاف كميات مهمة من المواد الغذائية، وأعاد طرح مخاوف متزايدة بشأن هشاشة التجهيزات الصناعية المتصلة بالإنترنت وإمكانية التحكم فيها عن بعد.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه الهجمات لم تعد تستهدف البيانات والمعلومات فقط، بل أصبحت تستهدف البنية التحتية المادية التي تعتمد عليها قطاعات حيوية، من الصحة والتغذية إلى النقل والطاقة، بما يجعل أي ثغرة تقنية محتملة مصدراً لخطر يتجاوز الخسائر المالية إلى تهديد سلامة المواطنين.
وفي فرنسا، دخلت المصالح المختصة بالأمن السيبراني ووزارة الصحة على خط التحقيق لتحديد ظروف الاختراق وطريقة تنفيذه، فيما جرى تعطيل إمكانية الوصول عن بعد إلى التجهيزات المتضررة، وتعزيز إجراءات المراقبة والتتبع.
وإلى حدود الآن، لم تكشف التحقيقات عن هوية الجهة المسؤولة عن الهجوم أو دوافعها، كما لم يثبت وجود رابط مباشر بين استهداف منشآت الدم والهجمات التي طالت أنظمة التبريد في المتاجر الأوروبية.
إن ما حدث في فرنسا يوجه إنذاراً واضحاً إلى المؤسسات الصحية في مختلف دول العالم، مفاده أن حماية المستشفيات ومراكز الدم لم تعد تقتصر على تأمين الأدوية والمعدات والموارد البشرية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بتأمين الأنظمة الرقمية التي تتحكم في التجهيزات الحيوية.
ففي عالم أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على تعطيل منشأة أو تغيير ظروف حفظ مواد طبية لا تحتمل الخطأ، لم يعد الأمن السيبراني مجرد خيار تقني، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الصحي وحماية الأرواح.






